ﺍﻟﺼﻔﺤﺔ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﺔ
 
ﺍﻟﺴﻴﺮﺓ
 

   هو إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن حسن بن عبدالله بن أحمد بن محمد المدفع الحارثي، من قبيلة الحرث المشهورة بعمان، وقد انتقل أجداده من مضيرب إلى مسقط ثم هاجروا منها إلى الشارقة في عام 1210هـ وذلك في عهد الشيخ صقر بن راشد القاسمي، فكانوا تجارها وحلقة الإتصال بين أمرائها وجماعتهم عند الإختلاف. هذا وبيت المدفع معروف بالعلم والتجارة والكرم وقد نشأ في هذا البيت على هذا الشأن رجال أفذاذ فاقوا أقرانهم وأبناء زمانهم خلقا وكرما وحلما فقد كان حسن بن عبدالله المدفع من كبار رجالات الشارقة، وهو الذي ابتدأ في بناء المسجد الجامع في الشارقة عام 1285هـ، وجعله طابقين وأتم بنيانه في عام 1297هـ وجعل عليه وقف سبع مخازن في السوق. أما ابنه عبدالله بن حسن المدفع، وهو جد إبراهيم بن محمد المدفع، فقد كان كبير التجار في الشارقة وكان مجلسه مجلس علم وأدب وضيافة يرتاده طلبة العلم من نجد والإحساء والبحرين وفارس، وكان رحمه الله من رواد العلم والإصلاح الذين سخّروا مكانتهم الإجتماعية وثروتهم في محاربة البدع والأفكار الضالة ونشر العلم الصحيح على مذهب السلف الصالح وكان يقوم بطباعة أمهات الكتب الشرعية وذلك في الهند وتوفيرها وتوزيعها لمن يطلبها. وكان رحمه الله قد تبرع بمقر (المكتبة التيمية) وتزويدها بالكتب وهي ( أول مكتبة عامة في المنطقة ) وإليه يرجع الفضل في إنشاء المدرسة الصالحية والصرف عليها وذلك في أواسط ثلاثينيات القرن العشرين، وكانت تربطه علاقات طيبة بالملك عبد العزيز رحمه الله وحكام البحرين. أما عبدالرحمن بن حسن المدفع فكان بيته ومجلسه مضيفا وملتقا أدبيا لأهالي الخليج واليمن، فقد أقام رحمه الله أربعين عاما في الهند ومات ودفن فيها وكان قد سافر في بداية القرن إلى الشام ومصر ومنها إلى تركيا وفرنسا وبريطانيا ثم عاد واستقر في الهند وكان مشهورا بالكرم وحسن الضيافة للوافدين وكانت الرسائل تصل إلى الأديب إبراهيم بن محمد المدفع من هناك تحمل الأخبار العربية والإسلامية والدولية وكان يعكسها في جريدته (عمان) والتي سنأتي على ذكرها لاحقا.كما كان الشيخ سيف بن محمد بن سعيد المدفع أشهر قضاة ساحل عمان وكان على علاقة طيبة بالملك عبدالعزيز حتى كان يسميه (سيفنا ومدفعنا في عمان) وكان يقصد بعمان ساحل عمان وكان كثيرا ما يبعث إليه بكثير القضايا التي تشكل على قضاة وعلماء نجد وكان مجلسه في الشارقة مشهورا يفد إليه العلماء والوجهاء والحكام. كما كان الشيخ سعيد بن محمد بن سعيد المدفع من كبار تجار اللؤلؤ في الخليج وطبع على نفقته كتاب (اللآلئ) عام 1928م في مومباي ويعتبر هذا الكتاب من أهم مراجع الطواشة في الخليج لاحتوائه على موازين اللؤلؤ حسب أحجامها وأنواعها. وقد كانت تجارتهم في الماضي مقصورة على اقتناء السفن الكبيرة التي يطلق عليها اسم ( ابغله ) والجمع ( ابغال ) وذلك لجلب التمور من البصرة والأرز والبهارات والعطور من الهند وأفريقيا وإمداد الغواصين وتجار اللؤلؤ والمتاجرة فيه وتصديره إلى الهند وبذلك حصلت لهم ثروة كبيرة وشهرة واسعة في شرق البلاد وغربها حتى أنهم جعلوا لهم مركزا للتجارة في ( لنجة ) من ثغور فارس.

   وقد ولد إبراهيم بن محمد المدفع في العشرين من رمضان عام 1327هـ ويقول المؤرخ عبدالله بن صالح المطوع رحمه الله (( كان على جانب عظيم من الذكاء والفطنة وسرعة الإنتباه إلى ما يلقى إليه ويوم عهد اليﱠ بتعليم الأمراء الشيخ سلطان بن صقر رحمه الله وإخوانه أبناء المرحوم الشيخ صقر بن خالد القاسمي عام 1332هـ نقلت الكتَّاب الذي ورثته عن أبي وجدي ويحق لي أن أسميه كتَّاب الأمراء والأعيان إلى شبه مدرسة عصرية ( دعيت لاحقا بالمدرسة القاسمية ) فدخلها معهم وصار زميلا للشيخ سلطان بن صقر القاسمي رحمه الله وصديقا حميما له وختما القرآن في مدة قصيرة وتعلما مبادئ علم التوحيد والعلوم الدينية عند الشيخ عبدالكريم البكري النجدي رحمه الله والخط عند أحمد بن عبدالرحمن الهرمسي المعروف بأبو سنيده فأتقناه وصار خطهما أشبه بخطه.

   وعندما تولى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حكم الشارقة وذلك في 17 ربيع الثاني 1342هـ التحق به ولازمه وصار كاتم سره الخاص وأمينه على ماله ورافقه في أسفاره وفي غدواته وروحاته كما عهد إليه بتنظيم أمور الجمارك والمالية فقام بتأسيس أول دائرة حكومية بالمعنى الحديث وهي دائرة الجمارك والتي كانت الدائرة الوحيدة والمصدر الرئيس لدخل الإمارة آنذاك واستمر ذلك حتى وفاة الشيخ سلطان بن صقر القاسمي رحمه الله، ثم أقره الشيخ صقر بن سلطان القاسمي في منصبه بعد أن تولى الحكم.

   أما والده محمد بن عبدالله رحمه الله فقد قام بتأسيس (المنتدى الإسلامي) بالشارقة في مطلع عام 1920م، وكان شهما كريما وشجاعا مقداما تجلت شجاعته يوم حاصر الشيخ خالد بن أحمد بن سلطان القاسمي بلدة الحمرية سنة 1334هـ، فقد تقدم المذكور ومعه عدد من رفقائه وظلوا مدة يومين يقاتلون من خلف المتاريس التي بنوها لهم بالقرب من الحمرية وظلوا مدة إقامتهم يبادلون إطلاق النار لا يتصل بهم أحد لإيصال الطعام إليهم إلا إذا أرخى الظلام سدوله لقرب موضعهم من البلدة وبذلك مدحه الشعراء وأثنوا عليه وإليه أشارالشاعر محمد بن إبراهيم الخيَّال أحد شعراء النبط في قصيدته التي مدح بها الشيخ خالد بن أحمد في تلك الوقعة المذكورة بقوله:

ومن جدَّم السيبه بحزات لوجاب   هذاك عده من اخيار المذاريب

   أما كرمه وحسن أخلاقه وشهامته فلا تسأل.وكانت له حاشية يقوم بأودهم وكل لوازمهم وكان لا يأكل طعاما لوحده ولايخلو مجلسه من ضيف وكان ينزع الثوب عن بدنه ويعطيه السائل ويعطف على الأرامل والفقراء الذين يلجئون إلى المساجد فيعينهم بقدر استطاعته ولا يجالس إلا الرجال الكمل ذوي الأحلام والنُّهى، ولذا تجد مجلسه غاصا بهم وتقرأ في كل ليلة في مجلسه سيرة ابن هشام والتواريخ والأشعار الأدبية والحماسية وقد نشأت وإيَّاه منذ الصغر ولم يفرق بيننا إلا موته رحمه الله وهو أول من فكر في جمع تاريخ ساحل عمان ووقائعه وسافر من أجل جمع ذلك واستدعى ذوي الخبره لأخذ معلوماتهم وأنفق في ذلك من ماله الخاص وإليه يرجع الفضل فيما جمعته من التاريخ والوقائع ولو لم يعاجله الأجل المحتوم وهو في سن الشباب في سنة 1341هـ لانتفعت منه البلاد شيئا كثيرا ولم أذكر من مناقبه إلا قليلا من كثير وقطرة من بحر غزير تغمده الله بواسع برحمته وأسكنه فسيح جنته وطرح البركة في ذريته إنه سميع قريب. )) انتهى كلام المؤرخ عبدالله بن صالح المطوع.

   ويقول الدكتور عبدالله الطابور في حديثه عن المنتدى الإسلامي (( وقد أشار بعض من عاصر تلك الفترة من الرواة إلى دور المنتدى الإسلامي في نشر الثقافة ومحاربة الأفكار المضللة، ومقاومة الإستعمار والتنديد بدور بريطانيا في المنطقة، وممن حدثوني عن المنتدى سلطان بن سيف المدفع وعيسى بن محمد المدفع رحمهما الله، وقد أشارا إلى أن فكرته تقوم على الإصلاح وتوعية الناس وكانت تعقد فيه اللقاءات الأدبية والمناظرات السياسية وقراءة ما جاء في بعض الصحف العربية من صراعات ومقاومة وطنية ضد الإستعمار الأجنبي، ومناقشتها واستضافة بعض العلماء والشعراء والمصلحين الذين كانوا يتحدثون في المواضيع الإسلامية ومحاربة البدع والخرافات التي كانت شائعة بين عامة الناس والتي وردت في الكتب والمصادر دون تفنيدها أو إنكارها.

   وأشار محمد بن راشد الجروان رحمه الله إلى دور المنتدى فقال: "شكل المنتدى الإسلامي حلقة وصل إعلامي داخل المجتمع حيث كان التجار يبثون الأخبار التجارية والسياسية التي تحدث على الصعيد الإقليمي والعالمي من خلال المنتدى". وذكر الشيخ محمد بن علي المحمود "كان المنتدى الإسلامي عبارة عن مجلس أدبي إسلامي كانت تعقد فيه اللقاءات بين المثقفين والتجار والمصلحين ويأتي إليه الزوار من العلماء وطلاب العلم ويدور حوار حول الكثير من المواضيع السياسية وكذلك المشاكل التجارية والظروف التي كانت سائدة آنذاك". )) انتهى كلام الدكتور عبدالله الطابور.

   وفي عهد الشيخ خالد بن محمد القاسمي كان مستشاره الخاص وممثلا لحكومة الشارقة في مجلس الحكام ومجلس التطوير وفي مكتب مقاطعة إسرائيل وقد ساهم رحمه الله في وضع لبنات الاتحاد التأسيسية وذلك ممثلا لحكومة الشارقة في الإجتماعات الدورية التحضيرية الأولى لإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة كما كان رحمه الله دائم السعي لحل المشكلات وللصلح في الحوادث بين الحكام والقبائل وبين العائلات والأمثلة على ذلك معروفة للذين عاصروا تلك الفترة ولا يناسب الموقف لذكرها هنا.

   وكان إبراهيم بن محمد المدفع أول من أسس مكتبة عامة في المنطقة ألا وهي(المكتبة التيمية) عام 1933م في مجلس بجانب البيت تبرع به جده عبدالله بن حسن المدفع وأثناء توسعة البيت ضم مبنى المكتبة إلى البيت ونقلت الكتب إلى مجلس بني خارج البيت عام 1942م وكانت المكتبة تضم ما يقارب أربعمائة كتاب ديني وأدبي. وكانت المكتبة كذلك مجلسا ومضيفا لزوار الشارقة والوافدين إليها.

   ويعتبر إبراهيم بن محمد المدفع رائد الصحافة في الإمارات فقد أصدر عام 1927م أول صحيفة وهي ( عمان ) وكان يكتبها بيده ويوزع منها خمس نسخ تتداول بين الأصدقاء في الفريج وعلى بعض الشخصيات ممن يعرفون القراءة على أيام حكم الشيخ سلطان بن صقر، كما أصدر في الوقت ذاته صحيفة أخرى فكاهية باسم (العمود) وفي حديث لمجلة الأزمنة العربية يقول رحمه الله (( كانت تأتينا صحف من القاهرة مثل المقتطف ووادي النيل والرسالة والشورى والهلال ومن العراق مجلة حبز بوز ( الفكاهية السياسية) ومجلة بوحمد والفرات، ومن الكويت مجلة الكويت التي كان يحررهاعبدالعزيز الرشيد. تأتي هذه الصحف والمجلات متأخرة شهرا وشهرين وثلاثة شهور أحيانا، فنتابع الأخبار من خلالها ونعكسها في ( عمان ). وكنا نكتب فيها أخبار البلد والأسعار والمناظر المؤذية وحكايات عن البدو وما يجري من سرقات للعبيد وأخبار عن الغوص والأسفار، وكتبنا أيضا مواضيع سياسية عن الحالة الراهنة آنذاك وأذكر أننا كتبنا عن الإيطاليين وكفاح عمر المختار وعن فلسطين أيام القاوقجي والحسيني. وكانت ( عمان ) من صفحتين كبيرتين ويشارك فيها أدباء وشعراء المنطقة مثل عبدالله بن صالح المطوع وأحمد بن حديد ومبارك بن سيف الناخي وحميد بن عبدالله الكندي وحمد بن عبد الرحمن المدفع وكانت تصدر مرتين في الشهر واستمرت لفترة تقارب السنة.

ويضيف معتصرا ذاكرته:
    - كنت أكتب فيها بحرية تامة رغم بعض المضايقات من قبل القنصل آنذاك وهو سيد عبد الرزاق رزوقي حينما نكتب ضد الانكليزخاصة الأشعار.

ويضيف: كانت هناك نشرات وملصقات تعلق على الأسواق أذكر منها تلك التي علقت على باب السوق الكبير في دبي ( سوق حصة ) وكتب عليها ( بلاد عربية، حكومة عربية وإعلانات باللغة الأجنبية، فإن لم تكن بالعربية فلابد من لهيب الغيرة الوطنية ) نظرا لأن المراكب كانت تأتي من الهند وإيران وكانت إعلاناتها باللغة غير العربية. )) وهنا يشير إبراهيم بن محمد المدفع إلى نشرة ( صوت العصافير ) التي كان يصدرها مع شباب من دبي في عام 1933م وكانت تنتقد الأوضاع المحلية بأسلوب لاذع وتهاجم التدخل الخارجي الذي بدأ يثبت أقدامه في الإمارات.

   وفي 18 مارس 1983م نعت الشارقة حكومة وشعبا إبراهيم بن محمد المدفع بعد حياة حافلة قضاها في خدمة وطنه وشعبه فتغمده الله بواسع رحمته وأدخله فسيح جناته.

 
سجل الزوار
Copyright © 2016. All rights are reserved